هل يتطوّر الدين إلى أني يتلاشى في النهاية أم أنه يبقى إلى الأبد؟

- المعروف أن الدين لا يتطور بتطور الزمن إلى أن يتلاشى في النهاية. لأن الدين بالنسبة للمؤمنين بالله، هو ارتباط روحيّ دائم بين الإنسان المخلوق والله الخالق. وتعريف الدين بحسب المفهوم المسيحي، أنه علاقة روحية بين الإنسان والله، يتأمل الإنسان فيها في محبة الله له، ويحاول أن يسير بحسب شرائعه وتعاليمه الواردة في الكتاب المقدس. والذين بحسب المفهوم العام هو النور الذي ينير للإنسان سبيل حياته، ويرشده إلى معرفة صلته بالله بإخوانه بني الإنسان.

صحيح أن أسلافنا القدماء عبدوا أشياء مختلفة في العصور الأولى، كالشمس والقمر والنجوم والتماثيل والحيوانات وغيرها، وذلك لأنهم كانوا يشعرون أن هنالك ألهاً مجهولاً أقوى من البشر وأرفع منهم. وبما أنهم لم يعرفوا شيئاً عن الإله الحقيقي آنذاك، كانوا ينقصون من شعائرهم حيناً، أو يضيفون إليها شعائر جديدة أحياناً أخرى. وهذا ما أدى إلى تطوّر ديانتهم. فكانوا يغيّرون آلهتهم كلما تعرّفوا على إله جديد، اعتقدوا أنه أقوى وأفضل. وهذا ما كان يفعله الأثينويون قديماً إذ إنهم كانوا يعبدون إلهاً يُعرف "بالإله المجهول" وبنوا له هيكلاً على تلة اسمها أريوس باغوس في أثينا. وعندما ذهب إليهم بولس الرسول ليبشرهم قال لهم: "أيها الرجال الأثينويون أراكم من كل وجه كأنكم متديّنون كثيراً. لأنني بينما كنت اجتاز وأنظر إلى معبوداتكم وجدت أيضاً مذبحاً مكتوباً عليه لإله مجهول. فالذي تتقونه وأنتم تجهلونه هذا أنا أنادي لكم به. الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه هذا إذ هو ربّ السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي. ولا يُخدم بأيادي الناس كأنه محتاج إلى شيء إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء" (أعمال 17 :22-25).

أما بالنسبة لنا فإننا نشكر الله، الإله الحقيقي الذي أظهر لنا ذاته، وزوّدنا بالتعاليم السماوية السامية المدوّنة في كتابه المقدس، وأرسل لنا أنبياءه ورسله لإرشادنا، وأخيراً أرسل المخلص يسوع المسيح، ليموت عن الخطاة على الصليب وليهبهم الحياة الأبدية. فالديانة المسيحية المبنية على التعاليم الإلهية الواردة في الكتاب المقدس، هي ديانة سماوية تصلح لكل مكان وزمان. وكتابنا المقدس يبيّن لنا ذلك حيث جاء فيه: "إن كان أحد يزيد على هذا (أي على ما ورد في كتاب الله) يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة" (رؤيا 22 :18-19).

لماذا تعتقد أن الدين لا يتطور مع الزمن ولا يتلاشى؟

- لقد تطوّر الدين في الأزمنة القديمة، قبل أن يعرف الناس الإله الحقيقي، خالق السماء والأرض، فعبدوا الأشياء المختلفة، إلى أن تعرّفوا على الإله الحقيقي. ونستطيع أن نقول الشيء نفسه حالياً، إن الدين يتطور بالنسبة لبعض الديانات التي لم تتعرف على "الإله الحقيقي". أما بالنسبة للديانات السماوية فالوضع يختلف.

لماذا يختلف الوضع بالنسبة لنا، ولا مجال للدين ليتطور؟

لأننا تعرّفنا على الإله الحقيقي بواسطة إظهار ذاته لنا ولأن دستور السماء بين أيدينا مدوّن على صفحات الكتاب المقدس، فيمكننا أن نرجع إليه في كل إشكال يحدث معنا. وبما أن الكتاب المقدس مفتوح بين أيدينا ونجد فيه كل حقوقنا وواجباتنا تجاه الله وتجاه إخواننا بني الإنسان، فلا يمكن للدين أن يتغيّر أو يتبدّل. هذا بالإضافة إلى أن الإنسان مخلوق ضعيف ينظر دائماً إلى مصدر القوة اللامحدودة ليستمد منها قوته. لذلك لا يمكن للإنسان أن يقطع صلته بالله الإله الوحيد الذي يهب بركات الحياة والذي فيه رجاء الحياة الأبدية، وإن الدين هو الجسر الذي يصل الإنسان بخالقه، فلا يمكن لهذا الجسر أن يزول أو يتلاشى ما دام الإنسان موجوداً أيضاً. بل على العكس، كلما تفهّم الإنسان نفسه وحياته وطبيعته الخاطئة كلما شعر بضرورة التقرّب إلى الله خالقه.

عودة